مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

26

موسوعه أصول الفقه المقارن

على أنّ الكثير من علماء الأصول في العالم الإسلامي يعتقدون بضرورة تجديد هذا العلم ، ولا يرون التوقّف فيه أمراً مناسباً أبداً ؛ باعتبار أنَّ ذلك لا ينسجم مع رسالته ووظائفه ، بل يرون هذا التوقّف مضرّاً من منطلق ضرورة مواكبة الفقه للمتطلّبات العصرية في مجال الحقوق والسلوك ، وإلّا عجز عن إبراز قابلياته الكامنة في الإجابة عن كلِّ التساؤلات المطروحة ، وتخلَّف عن وظيفته المعلنة ؛ لما له من دور فاعل على الصعيد الفقهي ، من حيث كونه منطقاً ومنهجاً ومقوّماً لعلم الفقه ، يشتمل على قواعد تلعب دورها في عملية الاستنباط ، ومن هنا نقول بأنَّ التجديد في علم الفقه يجد مدخله في تجديد أصوله . فتجديد علم الأصول ضرورة ، ومن المفروض أن يكون التجديد شمولياً ، ومستجيباً للحاجة والتحدّيات . ونقترح هنا بعض المحاور التي يلزم أن يطالها التطوير ، وهي كالتالي : المحور الأول : تطوير القابلية والسعة ويمكن تحقيق ذلك في الموارد التالية : 1 - تحديد الاصطلاحات ، فإنّ لاصطلاحات أيّ علمٍ دوراً مهماً في تطويره كما في التواصل والتفاهم العلمي من خلال التواضعات المصطلحية ، وبلوغ الإجماع أحياناً ، فإنَّ سرعة انتقال المعلومات ، وفنيّة البحوث ، وإمكانية النقد فيه . كلّ ذلك رهن توافر المفردات والمصطلحات ، فكلّما زادت كلّما أصبح البحث أكثر فنيّةً وتقنيّة . إنّ ما نشهده في علم الأصول من العمق والغنى والسعة في البحوث إنّما مرده لما يتوفّر عليه العلم من اصطلاحات كثيرة ، وهذا ما يفسّر الحيوية والإبداع في كلّ العلوم ذات الغنى الاصطلاحي . ومع ذلك نلاحظ افتقاد الكثير من الأفكار الأصولية للتمايز المطلوب ؛ بسبب كونها مبيَّنة باصطلاحات محدودة ومفردات عادية ، ممّا يؤثّر على الحيوية ويهدّد بالركود . فمثلًا أنَّ اصطلاحات من قبيل : الحكومة ، والإطلاق والعموم ، والتخصيص والتخصُّص . . . توجد دلالات متمايزة وتنقدح سريعاً في ذهن الباحث ، ولأجل ذلك نرى أنّ علم الأصول بحاجة إلى نهضة متواصلة لوضع الاصطلاحات وتحديدها بدقة ، لكي يستمر في خطّه التصاعدي . إنَّ تدوين قاموس للمصطلحات ( Thesaurus ) يعدُّ علماً بحدِّ ذاته ، وطرح مجموعة المصطلحات كعائلة واحدة وبنمط معيّن وبيان العلاقة بينها يعتبر عملًا جبّاراً يسهم في التعريف بالعلم ، والنظر إليه بنظرة إشرافية فوقانية ، يمكّننا من تحديد مجالات البحوث العلمية المباشرة وذات الصلة ، وإذا افتقد العلم الاصطلاحات الكافية اختلّت وظيفة القاموس في التعريف بالعلم . 2 - منح البحوث عناوين خاصة ، فقد تتراكم بحوث ودراسات أصولية مختلفة دون أن يميّزها عنوان خاص ، وهذا يقلّل من فرصة الالتفات والتوجُّه إليها ، فإنّ الكثير من البحوث قد تتمتّع بالعمق المناسب ، لكنّها تفتقد الانتباه اللازم ، وذلك بسبب افتقارها للعنوان ، بل وقد يغضُّ النظر عنها لهذا السبب . إنَّ تمايز الفصول والبحوث واندراجها تحت عناوين محدّدة ؛ يساعد على أن تكتسب هوية ذاتيّة مستقلّة ، كما وتلفت انتباه الباحث ، وتنال عمقاً أكبر وحظاً أوفر من البحث والدراسة .